القرطبي

248

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت . وقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم ، فلما رأوا آية الاصطلام ( 1 ) وذهاب الذكر ، أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت : أبعث لنا ملكا ، فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم ، فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك ، في قول الطبري . فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال ، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داء بسببه ، على خلاف في ذلك . قيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة . وقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم ، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت ، فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم . وقيل : جعلوه في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الباسور ( 2 ) ، فلما عظم بلاؤهم كيفما كان ، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت ! فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل ، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين ( 3 ) حتى دخلنا على بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية . وروى أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية ، فروى أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم ، قاله الربيع بن خيثم . وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين . الكلبي : وكان من عود شمسار ( 4 ) الذي يتخذ منه الأمشاط . وقرأ زيد بن ثابت " التابوه " وهي لغته ، والناس على قراءته بالتاء وقد تقدم . وروى عنه " التيبوت " ذكره النحاس . وقرأ حميد بن قيس " يحمله " بالياء . قوله تعالى : ( فيه سكينة من ربكم وبقية ) اختلف الناس في السكينة والبقية ، فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة . فقوله " فيه سكينة " أي هو سبب سكون

--> ( 1 ) الاصطلام : الاستئصال والإبادة . ( 2 ) في ز ، وابن عطية : " الناسور " بالنون . ( 3 ) كذا في الأصول ، وفى الطبري : الثورين . ( 4 ) في ح‍ وا وج‍ بالشين المعجمة والميم والسين المهملة . والذي في ه‍ والبحر بالمعجمتين بينهما ميم وفى معجم أسماء النبات " شمساد " ص 34